وعلى أيٍ، فإنّ هناك درسٌ علينا أن نتعلمه جميعاً وهو أن مشكلة السودان ليس صراعاً جهوياُ أو عرقياً تمثله النُخب على اختلافها، بقدر ما هو صراع اجتماعي-اقتصادي يتمُّ في دولة هشَّة التركيب اُنجِزَت، في الأساس، من أجل مشروعٍ استعماري وبأدوات ذلك المشروع وما انفكت مُؤسساتُها كافةً تحمل تلك الصفات الاستعمارية إلى يوم الناس هذا. لقد استكملَ الشعبُ السوداني كلُّه ثورته المعاصرة ضد النظام الذي أقامه البشير زمرتُه من أجل تفكيك كل سيطرة كانت - فرضتها في الغالب الصفةُ الاستعمارية للدولة – ومن أجل إعادة التأسيس الشامل للدولة السودانية من جديد وإرجاع الأمر برُمته إلى سلطةٍ منتخبةٍ ومُسائلة من الشعب لحسم أزمة الشرعية المُستحكمة منذ الاستقلال، ومصلحة الهامش والمركز معاً، رغم أنني - مع آخرين - لا أعترف بهذه التفرقة على المستوى النظري في ظروف دولة مثل السودان، تقتضي هذه المصلحة الدعمَ الجاد لهذا التأسيس الجديد، ذلك لأن إنشاء أو دعم أي عسكرية جديدة، ستُـنشيء بدورها عصراً فاشياً جديداً على أساس العرق أو الجهة أو الدين ولن تكون حلاً أبداً لمشكلات هذه البلاد، ذلك لأن الدكتاتورية العسكرية تُولد من قوة السلاح، وبالتالي فهي تقوّض مفهومي سيادة القانون والشرعية معاً وتولّد بالضرورة ثقافة القوة وثقافة السلاح والعنف والتعصب لعرقٍ أو لجهة أو لدين أو لقبيلة. ولأن أي الديكتاتور لا يمثل إلا نفسه ولا يسعى إلا إلى المزيد من القوة والسلطة والنُفوذ، بغض النظر عمّا يقوله عادةً، فإن أي نظامٍ يقيمُهُ، في السودان خاصةً، لا يمكن أن يمتلكُ أيّ نوعٍ من أنواع الإجابات على التحديات الصعبة الماثلةِ اليوم والتي تكاد تعصف بأركان الدولة كلِها، وسيكون أي تجريب لمثل هذا العهد مزيداً من الإهدار لسنوات التنمية الثمينة. لقد قال الروائي الإنجليزي جورج أورويل:" إنَّ القوة ليست وسيلة، بل هي غاية. ولا يُؤسس المرءُ ديكتاتوريةً لحماية الثورة، وإنما يصنع الثورة من أجل إقامة الديكتاتورية"، ولذلك فدائماً ما يكون الذين ناصروا أيَّ ديكتاتور في مبتدأ أمره ووطَّدوا له سلطته، أول ضحاياه فيما بعد، وفي تاريخ السودان خاصةً عبرةٌ لمُعتبر. 

وبخلاف الحزب الاتحادي الذي رفض الثورةَ منذ البداية وكان تحالفُه مع نظام الإنقاذ، في نُسختِهِ البشيرية، ظاهراً للعيان طوال الوقت، ظلّ الصادق المهدي يطرح نفسه زعيماً للحراك السلمي الديمقراطي، أو ما سمّاه هو بالجهاد المدني، ضد الإنقاذ منذ عقود، وما فتئَ مُذكراً الجميع بأنّه آخر رئيس وزراء مُنتخب ديمقراطياً قبل ثلاثين عاماً. والهجوم الذي تراه على الصادق المهدي ليس لما حَدَستَ من أنّه يمثل كُتلة الغرب، والتي هي الحاضنة الاجتماعية للفريق حميدتي كما زعمتَ، ولكن، مع كامل الاحترام للرجل، فإن تاريخه السياسي مع التكتلات السياسية المعارضة التي تزعَّمها في الماضي كان لا يشفع له، فكثيراً ما شقَّ هذه التكتلات بمواقف فردية – لاعتبارات ارتآها – دون الرجوع لمؤسسية هذه التكتلات، وتاريخه القريب في عقود الإنقاذ الثلاث يشهد بذلك. أما إذا أردت المزيد من التفاصيل حول تاريخ الرجل، مع كامل الاحترام له ولنضاله، فعليك بتصفح كتب د. منصور خالد العديدة ففي بياناتها مَقنع لمُقتنعٍ وزيادةً لمُستزيد. ولقد ظلت مواقفُه قبيل أثناء ثورة الثالث عشر من ديسمبر المجيدةِ تتصف بالضبابية منذ أيامها الأولى، فقد وصفها ابتداءً بعبارات لا تليق وظلّ مُتردداً كعادته دائماً في اللُحُوق بركبها الذي كان قد فَصَل، كما ظلَّ بعد التحاقه بها، رافضاَ لكل تصعيد ضد مماطلة المجلس الانتقالي، وكان لذلك يشكل خطراً حقيقياً على الثورة بأكثر من خطورة حزب المرغني وأبنائه، إن كان لحزبهم من خطورة أصلاً، ذلك الحزب الذي لا يأبه له أحد الآن لهامشيته وضعفه الظاهر وتحالفه الذي كان مُعلناً مع النظام في شكله القديم لآخر لحظة معروفٌ لكل مراقب.
لا يستقيم كذلك كلامك عن أن حزب الأمة ظلَّ يمثل أهلَـنا في غرب السودان الذين نافحوا الاستعمار ومثّلوا بُذور الوطنية الأولى في بلدنا بينما مثَّلَ الاتحاديون السودانَ النيلي بمواطنيِه الذين كانوا متعاونين مع الاستعمار، بل إن الصورة على خلاف ما قلتَ بالضبط، فقد كانت مواقفُ حزب الأمة منذ تأسيسه الأول كنادٍ في العام 1945 وتأسيسه اللاحق كحزبٍ في العام 1950، وقبل ذلك كيان الأنصار الذي عمل عرّابُه السيد عبد الرحمن إعادة إحيائه في ثوب ما عُرفَ بالمهدية الثانية على عين الانجليز، السيد عبد الرحمن الذي صنع مجده الانجليز، بالمعنى الحرفي للكلمة وليس المجازي وصنعوا ثروتَه أيضاً، كانت مواقفُ هذا الحزب دائماً، طيلة فترة الحركة الوطنية، أقرب إلى مواقف حكومة السودان الاستعمارية، وشديدة العداء لشِقِّ الحركة الوطنية الثاني الذي كانت تدعمُه مصر. راجع هذا في عددٍ من الكتب التي تكلّمت عن تلكم الفترة وعن تاريخ حزب الأمة بالذات. مثلاً وَرَد في مقال «القومية والمعارضة في السودان»، (1981) لبروفسور بيتر وودوارد في مجلة شؤون أفريقية، مجلد 80، عدد 320، صفحة 385-386 ما يلي: "عندما تشكّلت الأحزاب السياسية في عام 1945، تحالفت الطريقة الختمية مع القوميين العلمانيين الحضريين، بقيادة إسماعيل الأزهري ومجموعة الأشقّاء ... ووجدت الحكومة السودانية نفسها مُضطَّرةً إلى الرجوع إلى دعم حزب الأمة لإظهار معارضةَ السودانيين لمطالب مصر، على حساب التقدم الدستوري المتسارع. وفي الوقت نفسه، تم التِقاط قضية مصر بواسطة الأتحاديين (الأشقاء والأحزاب الصغيرة الأخرى المتحالفة، مع الخَتمية) وقاطعت الحركةُ القوميةُ العلمانية التقدم الدستوري إلى أن تم تشكيل الحكم الذاتي ... في الوقت نفسه، من خلال لعب عبد الرحمن بعناية دور سياسة التعاون، [مع سلطات الحكم الثنائي] وخاصةً دوره في دعم الحكومة داخلياً، ومعارضته لمطالبة مصر بالسودان خارجياً، كان قادراً على جعل نفسه لا غنىً عنه للسلطات [الإستعمارية]، على الرغم من قلقهم [أي الموظفون البريطانيون]، من استمرار انتشار المهدية". ما بين الأقواس إضافتي الشخصية لتوضيح ما يقصد بروفسور وودوارد من نصوصه السابقة.
والآن، ماذا لو طرحنا موقفَ حزب الأمة من الهامش عموماً على السَفُود (السَفُود هو عودٌ من حديد يُنظَّمُ فيه اللحمُ ليُشوَى) طالما أنك ترى أنّه الحزب الأقرب إلى ذلك الهامش المٌتَصور، تُرى ماذا قدّمَ هذا الحزب لهذا الهامش المُتصور؟ وهو الذي كان على رأس الحكومات الديمقراطية المنتخبة التي ظلّتْ تحكم لأكثر من عشر سنوات طيلة الفترة منذ الاستقلال، كما ألمحتَ لذلك أنت مُصيباً. أولاً أَودُّ أن أقدم مصداقاً لقولك هذا ما أُثِـرَ عن الأستاذ عبد الرسول النور حاكم كردفان السابق أنَّه قال كلاماً، ذات جلسةٍ مسائيةٍ في ضَّراءٍ ما بمنطقة المسيرية (الضَّراء كلمةٌ عربيةٌ قديمة تدُل على مكانٍ مُلتف الأشجار يُتّخذ كمجلس للرجال، ولا تزال تُستخدم بين أهلنا في غرب السودان)، قالَ كلاماً معناه أن قرارات حكومة السودان في عهد الصادق كانت تُتخذ في مدينة المُجلد، أَمِّ الديار، مما يدل على أن هذه الرُؤية قد عمَّت بها البلوى بين نُخب أهلنا في غرب السودان الكبير. ولكن دعونا نختبر هذه الصلة الواشجة بين هذا الحزب العتيد والهامش الذي هو صديقٌ له، كما افترض الأستاذ فتحي؟
ولنبدأ بالقول بأنّه على الرغم من أن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كان أول من شنَّ الهجوم على مفاهيم مثل "اليمين" و"اليسار" باعتبارها تحولت إلى "أوعية مفاهيمية فارغة" نتيجة للتطورات الخاصة التي شهدها الفضاء الأوربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية فصاعداً، إلا أن استخدامها لا يزال له ما يبرره، بحسب اعتقادي، في دول ما بعد الاستعمار في أفريقيا وأسيا وأمريكيا اللاتينية. إذ لا تزال التفرقة هنا هي بين أولئك الذين يريدون المحافظة على الهياكل المؤسسية للدولة الموروثة عن الاستعمار، وتلك هي الاصطفافات الاجتماعية (الطائفية والعرقية وجهويه وقبلية أو دينية) التي تمّ الترتيب لها استعمارياً أو أفرزتها البنية الاقتصادية-الاجتماعية له في شكل منتوج جانبي في هذه البلدان التي لعبَ الاستعمار الدور الأكبر في تشكيلها وفي تكريس طبيعة الحكم فيها وفي صنع تحالفاتها الطبقية وأيديولوجيات اضفاء الشرعية (legitimization) اللازمة لاستدامة هذه المنظومة من السيطرة والمحافظة عليها كما هي أو إدخال تعديلات طفيفة عليها لا تمس جوهر هذه التحالفات التي تنبني حولها. هذا من جهة، ومن الجهة المقابلة يقفُ أولئك الذين يريدون تفكيك هذه التحالفات والاصطفافات وتحدي ايديولوجياتها المُؤسِسَة واقتراح برنامج وطني ديمقراطي تحرري، كان حتى غير ديمقراطي في مرحلةٍ ما في السابق، هدفه الأساسي نزع الصفة الاستعمارية عن هذه المؤسسات جعلها تعمل وفقاً لمنظومة فلسفية وقيمية واجرائية جديدة تنحو نحو كسر طوق الهيمنة والتبعية في التنمية الاقتصادية المرتبطة بالاستعمار في طبيعتيه القديمة والجديدة، وذلك يعني بالضرورة التفكيك الجذري للدولة الموروثة عن الاستعمار وإعادة بنائها لصالح الجماهير الغفيرة، وليس النخب المُتحكِّمة، واطلاق القوى الاقتصادية المنتجة والتوزيع العادل لثمار العملية التنموية. يمثل اليمين الخط الأول بينما يمثل اليسار، وأضيف كذلك ما أُسميه ب"اللبرالية الجادة" عموماً، الخطِ الأخير من هذا التوصيف.
وبناءً على ما سبق، إذا عرَّفنا "الحزب اليميني" مع جونسون، بول (2005)، في مَسردِه الخاص بمصطلحات الاقتصاد السياسي تحت فئة «اليمينيةِ واليمينيين»، على أنّه ذلك الحزب الذي غالباً ما يَعتبر أن بعض النُظُم الاجتماعية والتسلسل الهرمي الموجود في المجتمعات أمرٌ لا مَفر منه، حتمي وطبيعي، أو حتى مرغوب فيه، وتنظر الأحزاب اليمينية عموماً إليه وإلى عدم المساواة التي يستلزمُها، ذلك التسلسل، وتنتج عنه عادةً على أنها نتاج طبيعي للاختلافات الاجتماعية التقليدية، اهـ. وبالتالي فإن أجندات مثل هذه الأحزاب عادةً ما تميل للمحافظة وتجنب الحلول الراديكالية (الجذرية) في المجتمعات. باستحضار التوصيف أعلاه يمكن الإشارةُ بسهولة إلى أن حزب الأمة يعتبر الحزب الأكثر "يمينيةً" في تاريخ السودان مُقارنةً بالحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الاتحادية عموماً منذ القديم وحتى اليوم، إذا تركنا جانباً، طبعاً، ذلك الحزب الذي يسيطر عليه الميرغني وبنوه لأنه لا يكاد يختلف في يمينيتِه عن حزب الأمة في شيء. ولذلك ظلّ حزب الأمة دائماً الحزبَ الأكثر عَداءً لجميع الأحزاب اليسارية واللبرالية الجّادة، إن جاز التعبير، وذلك لعدائِه الجذري لفكرةِ إعادة التأسيس الشامل للدولة في السودان وهو المَطمحٌ الأساسي لكل حركات الهامش المُتصور، ومن العجب العُجاب أن تدّعي، يا أستاذ فتحي، بأن حزب الأمة يمثلُه، فكيف يستقيم ذلك؟ ولعلَّه من المفيد هنا، تذكيراً بالتاريخ، الإشارة إلى كتاب البروفسور عطا الحسن البطحاني الموسوم ب: «جبال النوبة: الإثنية السياسية والحركة الفلاحية، ١٩٢٤-١٩٦٩»، والذي برَّرَ فيه تحالف الحركة النوبية السياسية الناشئة في بداياتها مع الحزب الوطني الاتحادي لتقدميته الواضحة آنَئِذٍ.
كان حزبُ الأمة، فوق ذلك، أول من افترع فكرة اصطناع المليشيات الرَديفة وسياسة استخدام أبناء الهامش ضد بعضهم البعض. فقد أثبت المحجوب رئيس الوزراء عن حزب الأمة في حقبةِ الستينات أّنَّه لجأ إلى تسليح النيليين من أهلنا في جنوب السودان السابق لصد خطر قوات الأَنانيا عليهم، والتي كان يسيطر عليها الإستوائيون، وقد ذكرَ ذلك صراحةً في كتابه المعروف ب: «الديمقراطية في الميزان»، وكذلك فعل السيد الصادق المهدي عندما سلَّح خلال رئاسته لمجلس الوزراء في الديمقراطية الثالثة قبائل أهلنا البقَّارة في مناطق بحر العرب وجبال النوبا ضد قوات الحركة الشعبية التي نشطت في هذه المناطق. وبغض النظر عن المبررات، كانت تلك الخُطوة هي البداية الحقيقية للفكرة الأولى التي اختطفتها الإنقاذ فيما بعد من حزب الأمة وتخطت بها كلَّ الحدود الممكنة عندما أنشأت ما عُرفَ بقوات الدفاع الشعبي، ثمَّ قوات حرس الحدود وثمَّ الدعم السريع الذي يكاد أن يبتلع اليوم الدولةَ كلّها ويحولها إلى دولة ميليشيات ولوردات حروب أشبه ما تكون بلبنان أثناء حقبة الثمانينات أو الصومال في حقبة التسعينات.
ولقد وطّن السودان النيلي نفسَه منذ زمانٍ لتقبُّل التغيير الجذري في الدولة السودانية، ودليل ذلك تلك المليونية الساطعة التي استقبل بها الراحل جون قرنق في العام 2005، كأكبر حشدٍ عفوي، وفاق كلَّ حشدٍ غير عفوي على نحوٍ مُؤكد في تاريخنا السياسي كُلِهِ. وفي استبيان أجريته يومذاك كان تسعة من أصل عَشْرة أشخاص أبدوا استعداداً لانتخاب قرنق حال ترشحه ضد البشير مقابل شخص واحد فقط رفض ذلك بحجة أن الرجل كان غير مسلم، وكان المُستَـبيَـنِـين جميعاً من السودان النيلي. وهو نفس السودان النيلي الذي ينتظر الآن أن يتولى رئاسة وزارته د. عبد الله حمدوك ابن كردفان بفارغ الصبر حتى صار اسم الرجل في سودان هذه الأيام أشهر من أسم فاطمة السمحة وود النمير معاً.
وسأقولها لك إنابةً عنهم، وأنا مسؤول عمَّا أقول، بأن هذا المركز المُتصور يقبل بأي شخص من أي مكان من السودان رئيساً ولكن ليأتي عبر صندوق الاقتراع، أما صندوق الذخيرة فلن يحكم به أحدٌ مرَّةً أخرى، لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل، ليس لأنَّه لا يمتلك اجابةً للأسئلة المُلحّة التي يفرضها الواقعُ الضاغط في الوقت الحالي فحسب، ولكن لأنّ ذلك، إن حدث، سيكون ببساطة ضد طبيعة الأشياء. ومحاولة استنساخ التجربة المصرية التي نجح العسكر فيها في الالتفاف حول الثورة بعد أن نجحوا في تفريق الثوار شيَعَاً متدابرة تَوطِئةً الانقضاض عليهم متفرقين وعلى الثورة وقِيمها بعد ذلك، هذا ما لن يكون النجاحُ نصيبه في السودان، وهو ضربٌ من الوهم وحُلمٌ بعيد المنال، ليس لأنّنا نرجُم بالغيب أو نمتلك كرةً بلَّوريّة نرى عليها المستقبل كيف يكون، ولكن لأنّنا نعلم، أن ليس السودان بأهمية مصر المركزية واستراتيجيتها بالمنطقة لا سيما أهميتها بالنسبة لدول عديدة بالإقليم والعالم. وبفضل الكيزان، لم يعد هنا في السودان مؤسسة عسكرية متماسكة، يمكن أن تُعد مصدراً للثّقة، وحتى إن وجدت فلا يمكن مقارنتها اطلاقاً بالمؤسسة العسكرية المصرية التي استمرت تقاليدُها في حكم ذلك البلد منذ آلاف السنين، وليس السودان كذلك بالبلد المُتجانس الذي يمكن أن تُمرّر فيه مثلُ هذه المشروعات.
وختاماً، أرجو منكَ، أيّهذا الأخ الكريم، أن تُطيل التطلّع مُتفرِّساً حولك في هُوية من يتولون كِبْر هذا النوع من الخطاب التحشيدي الذي يفرّق ولا يجمع والذي بات الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، يشتَّتَ السودانيين على طول انتماءاتهم الخاصة التي تفرقهم تحت مظلّة السودانوية التي تجمعهم جميعاً. ستجد هؤلاء النفر إمّا من أعضاء النظام في طبعته السابقة أو مِمن تعاون معهم في مرحلةٍ من المراحل في مختلف تمثّلات النظام الذي أقاموه: سواءً في مرحلته البشيرية والبرهانية كليهما. وأنشدكَ الله أن تُعمِل قدراتك النقدية قليلاً وتسأل: أن لماذا الآن بالذات؟ بعد أن توَّحد السودانيون جميعاً، وهي من المرات النادرة في تاريخنا المعاصر، وهو توحُّد طالما حاربته الإنقاذ في صِيغها كافة تحت مختلف اللافتات والأسباب: لماذا الآن بالذات؟ بعد أن صار السودانيون قلباً واحداً في ساحات الاعتصام وفي المسيرات التي تستقبل الرصاص بصدورٍ راضية من أجل غدٍ أفضل وتفكيك الدولة الفاسدة، صامولة صامولة، تلك الدولة التي بالغت فتمادت في إفقارهم، رغم بلدهم الذي يفيض بالموارد، وقهرهم وأذلالهم بعد أن كانوا كراماً على أرضهم وبين أهلهم؟ لماذا بعد أن أخذت أناشيد الثورة وأهازيجها توحدهم جميعاً خلف هدفٍ واحد يبعث فيهم الأمل من جديد بعد عقود يأس الإنقاذ التي تطاولت عليهم؟ لماذا نشط مثل هذه الخطابات بعد أن توقفت مسارح القتال جميعاً، وطوعاً، دعماً للحراك السلمي الذي ينادي بتأسيس جديد وشامل وجذري للدولة السودانية يتجاوز ظلامات الماضي ويتطلع لسودانٍ ديمقراطي تسوده قيمُ الشفافية والعدالة والتعددية والحرية وحكم القانون، لماذا تعالت هذه الأصوات الآن بالذات؟ مَن هم هؤلاء الناس؟ ولماذا يفعلون ذلك؟ اطرح على نفسك مجموعة الأسئلة السابقة، وستعرف فوراً من هم أعداؤك وأعداء مستقبل أبنائِك الحقيقون!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.