لن تتعافى بلادنا إلا إذا ملكنا فهما جديدا لإعادة بناء الدولة بعد تشكيل الحكومة الجديدة إيذانا بالتأكيد الرسمي على طي الصفحة الأولى للمشروع الحضاري للأبد. فبينما تمتلئ أفئدة المؤيدين للاتفاق الذي تم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بالأمل في أن يروا الوزراء، وقائد أسطولهم، قد بانوا ثم باشروا مهامهم، فإننا نرى أن أول قرار رمزي، أو مادي لحكومة الثورة، ينبغي أن يكون له علاقة بملف السلام. وهذا الملف يعد في نظر المرء الأسهل في المعالجة، والأصعب أيضا، في ذات الوقت. أسهل إذا ملكنا ذلك الفهم بأن لا استقرار للسودان بدون تحقيق السلام، وما يتصل به من مستحقات تتعلق بقرارات المحكمة الجنائية الدولية، والعدالة الانتقالية، وإعادة النازحين واللاجئين لدى الجوار إلى قراهم، وجبر الضرر، وترميم النسيج الاجتماعي عبر الصلح المبني على تراث الإدارة الأهلية، ورفع الظلم التاريخي عبر الحوار مع ممثلي أصحاب المصلحة الحقيقيين.
أما صعوبة ملف السلام فتتجسد أمامنا لو أن أخذتنا نشوة النصر بملحمة الكفاح السلمي، وأهملنا مستحقات هذا الملف الضرورية، ولم نستشعر أهميته بالنسبة للقوميات التي ذاقت الهوان، والذل، والإبادة من الحكومات المركزية، بما فيها قوميات جنوب السودان. بل إن ملف السلام يقتضي إشراك الدولة الوليدة في التعامل معه نسبة لتعرض مكونها الاجتماعي لظلم تاريخي ممض من الدولة المركزية، ولارتباط جنوب السودان العضوي بالحركات المسلحة. ولعل الجنوبيين ما يزالوا سودانيين سواء بالرباط التاريخي، أو بتفضيلهم حمل اسم السودان في دولتهم الوليدة. وتلك كانت إشارة ذكية لصناع دولة الجنوب بأن وجدانهم الداخلي يشاركنا، ويصعب عليهم التخلي عن الانتماء للسودان، مفردةً، وتاريخاً، وحيزاً جغرافياً.
لقد كتبنا من قبل بأنه ليس هناك من شئ مؤثر قد دمر خيارات السودانيين لصنع دولة متقدمة غير اصطحاب تاريخ وثقافة الاسترقاق في فهم، وفعل، كثير من رجال الدولة في السودان بعد الاستقلال. وما حدث للجنوبيين من قمع عسكري، وجهاد ديني استعلائي، وإبادة، ودمار، لقوميات مناطق النزاع من خلال تنطع عرقي يملك جذوراً في استعلاء قادة الدولة على مواطنيهم الذين حاولوا تجريدهم من حق البقاء، او المشاركة في قسمة السلطة، والتنمية البشرية والمكانية. ولذلك كان جهاد الحركة الإسلامية ضد الجنوبيين يمثل تطبيقا لثقافة استرقاق متشبعة بمسوغات دينية، وحق مطلق في فرض الوصاية عليهم. ومن جانب آخر مثل جهاد الإسلاميين في قمع الكفاح المسلح في دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، مجالا لكسر شوكة الثائرين ضد الحاكم. وبالتالي تم حينذاك اصطحاب تاريخ بعض الفتوحات الدينية لاسترقاق البشر، وحرق القرى، وإبدال سكانها بآخرين، واغتصاب النساء، وإذلال السكان النازحين، وحرمانهم من الخدمات. ولقد رافقت هذه السياسات الاسترقاقية فظائع وجودية تمثلت في الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، ونزوح ملايين السكان، ولجوئهم لدول العالم. وترتب عليها أيضا انهيار النظم الاجتماعية، ومشاكل قبلية، وتدمير أدوات الإنتاج، والأثر النفسي الكئيب على الأفراد والجماعات، وغياب أي أسس للتنمية العمرانية، والبشرية.
-٢-
هذا التاريخ الاستعلائي المر في تعامل الدولة المركزية مع سكانها لا نريد تكراره. ولذلك نرى أن إيلاء أمر السلام يمثل أهمية قصوى لدى الحكومة الجديدة، ويعطي تطمينات مطلوبة للقوميات التي أصابها الضرر، وهي التي أجلت تألمها من ضيمها، وساهمت من ثم في الثورة التي رفعت شعار "حرية، سلام، وعدالة". وذلك بعد أن رأت أن نجاح الثورة سيمنح فرصة للمتضررين لطلب القصاص. ولا شك أن الشعارات القومية التي رفعتها الثورة قد ساهمت من ناحية أخرى في توحيد كل السودانيين للقضاء على نظام الحركة الإسلامية. وكان إنتاج شعار "كل البلد دارفور.. يا العسكري المغرور" موحيا، وواسى نفسيا قطاعا عريضا من سكان الإقليم الذين تجاوبوا مع الثورة مثلهم مثل الحركات المسلحة. وكذلك كانت مسيرات قوى الحرية والتغيير التي سميت بأحداث، ومناطق، وشخصيات، في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وكجبار، تصب في هذا الاتجاه، وجعل من الممكن اتحاد كل السودانيين لكنس هيكلية نظام الحركة الإسلامية.
ان إصدار الحكومة لاعتذار تاريخي للقوميات المتضررة في مناطق النزاع، وتلك التي لاقت الظلم التاريخي من الدولة المركزية مثل نوبيي الشمال، والمناصير الذين هجرتهم السلطة بدون رضائهم، وأغرقت أراضيهم، واجب يحتمه أولا مواساة الذين تعرضوا للظلم الممنهج من عنف الدولة دون أن يجدوا القضاء العادل أمامهم، وتحتمه ضرورة إعادة بناء الدولة بروح جماعية لقومياتها جميعها من جهة، وتحتمه من الجهة الأخرى الحاجة الملحة للخطو أميالا للوصول إلى الحركات المسلحة للتفاوض معها لتحقيق السلام حتى تساهم في الفترة الانتقالية لتأسيس السودان الجديد الذي حلمنا به جميعا.
فأولوية كتابة الاعتذار التاريخي الذي تعده قوى الحرية والتغيير الآن- كما نقترح - وتستهل به الحكومة الجديدة جدول أعمالها، سينصف معنويا هؤلاء المتضررين من النزاع حول السلطة المركزية، إذ لا تماثل هذه الأولوية أخرى غيرها. بل يجب على الحكومة الجديدة أن توظف الإعلام الرسمي لهذه المناسبة يوم إعلان الاعتذار للتذكير بالجرائم التي ارتكبتها الحكومات السابقة في تلك الجغرافيات، والعمل على تضمين هذا الاعتذار في مقررات كل المراحل الدراسية، وتحديد يوم سنوي في هذا الشأن، كما يحدث في كثير من بلدان العالم التي عالجت أخطاء حكوماتها السابقة على هذا النحو. وعلى المدى البعيد ينبغي التفكير في وضع مناهج لتدريس ثقافة حقوق الإنسان، واحترام المرأة، والطفل، ومناهضة العنصرية، والاستعلاء العرقي، والتطرف الديني، ونشر ثقافة السلام، والتسامح، وإعادة الاعتبار للرموز الوطنية التي ساهمت في النضال ضد الممارسات الباطشة للدولة المركزية، وتعرضت للقتل المادي، والمعنوي.
-٣-
إن بشاعة فض المجلس العسكري للاعتصام أمام القيادة العامة يماثله كثير من بشاعات الدولة المركزية في مناطق النزاع. وتصريحات أحمد هرون لقتل الأسرى، والتي التقطها مصور غير محترف بغتة تماثلها تصريحات عنف، وعنصرية، واستعلاء، لا حصر لها في تاريخ المؤسسات النظامية الممتلكة للقوة الرمزية، والمادية. ولذلك ينبغي أن نستفيد من رصد الوثائق الإعلامية لفض الاعتصام، ومثل تصريحات هرون، وتوثيق النشطاء لبعض العنف الذي واجهه مواطنو مناطق النزاع، حتى نصدر كتيبات تؤرخ لإجرام الحركة الإسلامية في فترة الثلاثين عاما، وكذلك الإجرام الحكومي الذي سبق وصولها إلى الحكم. وذلك حتى تتعلم الأجيال القادمة جزء من الأسباب التي قادت السودانيين للثورة ضد ممارسات السلطات المركزية التي اعتمدت كل أنواع العنف ضد المواطنين لتثبيت الاستبداد. كما تتطلب إعادة البناء الوطني سن قوانين صارمة ضد العنصرية، والتطرف الداعشي، وتحقير المرأة، واغتصاب المرأة، والأطفال، ونشر خطاب الكراهية الدينية.
صحيح أن الحكومة الجديدة مواجهة بأولويات تتعلق بالقضاء على سياسات وشخوص التمكين، والاهتمام بمعاش الناس وتحسينه، ومحاسبة رموز النظام لكل الجرائم التي ارتكبوها، والتسوية مع المجتمع الإقليمي والدولي، والتخلص من القوانين واللوائح المنظمة للعمل التي ما تزال معيبة، ولكن أولوية إصدار الاعتذار التاريخي المقترح يسهم إيجابا في دعم استقرار الحكومة لتحقيق تلك الاولويات. فإذا كان الاعتذار التاريخي يعد خطوة جوهرية، وداعمة، نحو الوصول إلى سلام عاجل مع جميع الحركات المسلحة، ويعضد ثقة المناضلين السلميين من مناطق النزاع في الوضع الجديد، فإن الضرورة تقتضي على قوى الحرية والتغيير تثبيت جديتها لإبراز الوجه الجديد للدولة المركزية التي يحمل ممثلو الثورة مسؤوليتها.
والمؤكد أن قادة، وعضوية الحرية والتغيير، وضف المتعاطفين معها، عانوا أنفسهم من ظلم الحكومات السابقة، وتعرض أكثرهم للاعتقال، والتعذيب، وغيرها من صنوف الأذى. ولهذا السبب وحده يأتي تبني الحكومة الجديدة لأمر إصدار الاعتذار التاريخي الممهور باسم الدولة المركزية لمظاليم النوبة، والمناصير، ومناطق النزاع - بما فيها جنوب السودان - كخطوة ضرورية للتسوية مع الماضي الأليم، وطي صفحة كئيبة من تاريخ السودان الحديث.
--